محمد بن جرير الطبري
148
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
موضع ، ثم تستعملها في موضع آخر بخلاف ذلك ، وليس ذلك بأبعد في القياس من الصحة من قولهم : رأيت بالهمز ، ثم قالوا : فأنا أراه بترك الهمز لما جرى به استعمالهم ، وما أشبه ذلك من الحروف التي تأتي في موضع على صورة ، ثم تأتي بخلاف ذلك في موضع آخر للجاري من استعمال العرب ذلك بينها . وأما ما استشهد به من قول الشاعر : كما زعمت تلانا ، فإن ذلك منه غلط في تأويل الكلمة وإنما أراد الشاعر بقوله : وصلينا كما زعمت تلانا : وصلينا كما زعمت أنت الآن ، فأسقط الهمزة من أنت ، فلقيت التاء من زعمت النون من أنت وهي ساكنة ، فسقطت من اللفظ ، وبقيت التاء من أنت ، ثم حذفت الهمزة من الآن ، فصارت الكلمة في اللفظ كهيئة تلان ، والتاء الثانية على الحقيقة منفصلة من الآن ، لأنها تاء أنت . وأما زعمه أنه رأى في المصحف الذي يقال له الامام التاء متصلة بحين ، فإن الذي جاءت به مصاحف المسلمين في أمصارها هو الحجة على أهل الاسلام ، والتاء في جميعها منفصلة عن حين ، فلذلك اخترنا أن يكون الوقف على الهاء في قوله : ولات حين . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب * أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب ) * . يقول تعالى ذكره : وعجب هؤلاء المشركون من قريش أن جاءهم منذر ينذرهم بأس الله على كفرهم به من أنفسهم ، ولم يأتهم ملك من السماء بذلك وقال الكافرون هذا ساحر كذاب يقول : وقال المنكرون وحدانية الله : هذا ، يعنون محمدا ( ص ) ، ساحر كذاب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 22831 حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وعجبوا أن جاءهم منذر منهم يعني محمدا ( ص ) فقال الكافرون هذا ساحر كذاب . 22832 حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : ساحر كذاب يعني محمدا ( ص ) . وقوله : أجعل الآلهة إلها واحدا يقول : وقال هؤلاء الكافرون الذين قالوا : محمد ساحر كذاب : أجعل محمد المعبودات كلها واحدا ، يسمع دعاءنا جميعنا ، ويعلم عبادة كل عابد عبده منا إن هذا لشئ عجاب : أي إن هذا لشئ عجيب ، كما :